محمد بن علي بن أحمد بن طولون الصالحي ( ابن طولون )
61
مفاكهة الخلان في حوادث الزمان
طلحة رضي اللّه عنه ؛ وبعد صلاة الجمعة صعد أبو الفضل على الكرسي العالي تجاه محراب الحنفية ، واجتمع في مجلسه جمّ غفير ، وسرد أحاديث كثيرة عن ظهر قلبه في تحريم الغيبة والنميمة ، وفي فضل العلماء وأهل الخير ، ثم أظهر العتب على المزلقي ، والحال أنه بريء مما أنهى عنه وأظهر أن فخر الدين المذكور من تلامذته ، ممن أحسن إليه وأقامه ، وأظهر أنه رجل فقير ، وذكر أشياء يطول ذكرها ؛ ولما نزل ودخل المقصورة فحوّم له جماعة ووشوا له . وفي حال صعود أبي الفضل هذا للكرسي صاح العوام ورفعوا أصواتهم ، واجتمعوا على الأمير أزبك نائب الغيبة بسبب الشاب البلاصي ، رأس نوبة ، الشهير بالقدسي ، ليسلمه لهم ليحرقوه ، فجاء الأمير أزبك إلى بيت الخطابة ليستشير قاضي القضاة المزلقي في ذلك ، وقد تكالب العوام ورفعوا أصواتهم على باب الخطابة ، فأرضاهم ووعدهم بقتله ، ثم خرج من بيت الخطابة وذهب إلى بيته من باب الزيادة . وشاع في هذا اليوم بين الناس ، أن أبا يزيد بن عثمان أخذ من مملكة سلطاننا بلادا كثيرة ، وأن قصده الزحف على هذه المملكة . - وفي يوم السبت سابع عشرين جمادى الأولى هذه ، دخل بهاء الدين الباعوني ، الموعود بدخوله دمشق ، ومعه من قاضي القضاة ابن الفرفور للقاضي محب الدين ابن قاضي عجلون ، أن يتولّى أمر الخطابة والعرض والتفويض لجماعة مخصوصة نيابة عنه ؛ وأخبر بهاء الدين المذكور أن المزلقي لما عزله السلطان عن القضاء بدمشق عوّضه كتابة السرّ بها ، وعزل نجم الدين الخيضري منها ، وأنّ المزلقي يجلس فيها بدار العدل فوق القاضي الحنفي ؛ فركب نائب القلعة ابن شاهين ونائب الغيبة أزبك وغيرهما إلى المزلقي وعرضا عليه ذلك ، فامتنع من الدخول في ذلك . وفي يوم الجمعة رابع جمادى الآخرة منها ، خطب القاضي محب الدين ابن قاضي عجلون عن قاضي القضاة الشهابي بن الفرفور ، ومدح الناس له - وفي بكرة هذا اليوم قام أهل قرية المزّة وكبرّوا على مملوك السلطان دواداره بدمشق ، ونزلوا إلى المدينة إلى بيته ، ثم كبّروا عليه بالجامع قبل الصلاة وبعدها ، وأظهروا التظلّم منه ، فخفض عنهم بعض ذلك - وفي يوم الخميس عاشره وصل من مصر لمملوك السلطان ودواداره بدمشق ، واسمه جاني بك الطويل ، تشريف باستقراره في الدوادارية المذكورة ، وأن يلحق العسكر لقتال علي دولات ، والحال أنه لم يكن بقي في دمشق من أرباب الدولة غيره ، ونائب القلعة علي بن شاهين المتأهّب لأمرة الحاج ، ونائب الغيبة أزبك دوادار النائب . وقد زحفت العربان على البلاد ، وعلى نواحي دمشق وأطرافها ، فخرج إليهم نائب الغيبة